الشيخ محمد الصادقي الطهراني
383
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
فيه ليل نهار ، ولكنها غلبت على مختلف النوازع والعراقيل قانتة مجاهدة رافصة للجنس حرامه وحلاله ، ولأنه ينافي وحريتها في خدمة البيت ، وقد نذرت أُمها ما في بطنها محرراً : « فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أُنثى . . وإني سمّيتها مريم وإني أُعيذها بك وذرِّيتها من الشيطان الرجيم . فتقبَّلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً . . » : « 1 » تقبَّلها ربها مريم كما سميت وهي : الغالبة ، وتقبّل إعاذتها وذرِّيتها من الشيطان الرجيم ، فهي إذاً غالبة معوَّذة من الشيطان عند اللَّه ، ونابتة نباتاً حسناً عند اللَّه ، ومن غلبتها التغلب على النوازع الجنسية وجواذبها وهي في عنفوانها ، وهي بمعرض مختلف الرجال في بيت اللَّه ليل نهار ، فهذا الإحصان مما يتطلب إحساناً عالياً لها من اللَّه المنّان ومن أحسنه أن نفخ في محل الإحصان روحاً منه ، فقد جمع إلى الدافعين الأولين لذكر الإحصان في هذا الثالث فاكتمل لها مثلث الإحصان فاختصت بكامل الإحسان أن أصحبحت أُم السيد المسيح عليه السلام ، ثم وعلى حدِّ المروي عن الرسول صلى الله عليه وآله سوف تكون من أزواجه صلى الله عليه وآله في الجنة . « 2 » ثم وماذا حملت ؟ فطالما الآية الأخرى « . . فنفخنا فيها من روحنا » أجملت عن مدخل الحمل ، فآيتنا « فنفخنا فيه من روحنا » تصريحة ان مدخله الفرج لمكان ذكورة الضمير « ه » فالمرجع إذاً « فرجها » لا هي نفسها ، ولا جيبها ، رغم ما حاوله جمع ، فإنه كلام فارغ ، لأنها أحصنت فرجها ، لا جيبها ، والروح نفخت في فرجها ، لا فرج جيبها ! . فمن كون الآلة التناسلية النسائية هي المنفخ المدخل هنا لروحٍ من اللَّه نتعرف إلى كيان هذه الروح وهذا اللقاح ، أن ناب لقاحَ الرجل دون رجلٍ ، فلم يكن حملها المسيح بمقاربة كالعادة ، بل بالنفخ والإلقاء الإلهيين في فرجها ، فان المسيح وهو الروح والكلمة الملقاة إلى مريم « إنما المسيح عيسى بن مريم رسول اللَّه وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه » « 3 » فالروح نفخت من المجرى التناسلي ، مما يدلُّ على كونها جسماً مَّا ، وعلَّها كانت مع النطفة الرجولية المعبر عنها بالكلمة الملقاة ، فبالإقاء هذا تمكنت النطفة إلى عمق
--> ( 1 ) . 3 : 37 ( 2 ) . الدر المنثور 6 : 249 - أخرج الطبراني عن سعد بن جنادة قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : إن اللَّه زوجني في الجنة مريم بنت عمران وامرأة فرعون وأخت موسى . أقول : وهذا لا ينافي بقاء بعض أزواجه مثل خديجة في زواجه صلى الله عليه وآله إذ لا تحتاج إلى زواج جديد ( 3 ) . 4 : 17